الرئيسية / الفنون السبعة / كولونيا”: رحلة في أعماق الألم البشري وصراع الأجيال

كولونيا”: رحلة في أعماق الألم البشري وصراع الأجيال

“كولونيا” الفيلم الروائي الطويل الاول للمخرج المصري محمد صيام لا يحكي قصة عادية عن فقدان أو تمرد؛ إنه رحلة في أعماق النفس البشرية، حيث تتشابك الذكريات، الغضب، الحب، والخيانة في نسيج درامي متقن.

 الفيلم يضعنا أمام فاروق، الشاب التائه على حافة البحر، بعد وفاة والدته في ظروف مشحونة بالغموض والصدمة. هذه البداية الرمزية، على حافة الماء، تعكس الفراغ الداخلي والانكسار النفسي لشخصية لم تُحسن مواجهة الألم منذ البداية.

العمل يعتمد على تقنية الفلاش باك لتفكيك التاريخ الشخصي للشخصيات، وكشف اللحظات التي شكلت فاروق: اليوم السابق لوفاة والدته، خيانة والدته لأبيه مع صديق مقرب، الصمت الأبوي الذي أوجع الطفل، والحاجة الماسة للفهم والمصالحة. كل لحظة ماضية تتحول إلى جرح حي، يرافقه فاروق في مساره التدميري والمتمرد.

فاروق ووالده، محور الفيلم، يمثلان صراع الأجيال: الابن يثور على إرث الألم، يريد التحرر من جلباب الأب، بينما الأب، المريض بالسرطان، يقف عاجزًا أمام الفقدان وندم لم يُعبر عنه إلا متأخرًا. هنا يصبح المنزل مسرحًا للانتقام الذاتي، الاعتراف، والمصالحة، حيث تتحول المواقف اليومية إلى معارك نفسية مشحونة بالحب واللوم والغضب المكبوت.

سارة، الحبيبة، تمثل صراع الهوية والتناقضات الاجتماعية: فتاة تظهر للآخرين مستهترة وجريئة، لكنها تتحول في المنزل إلى شخصية متحفظة ومتحجبة، ما يخلق لحظات كوميديا سوداء تتنفس من قلب الصراع، وتعكس هشاشة العلاقات البشرية أمام توقعات المجتمع والذات.

الفيلم غني بالرمزية: قارورة الكولونيا، آخر ما تبقى من الأب، ليست مجرد عطر، بل هي رابط ذكري يمثل كل ما تبقى من الماضي، من الحب، الألم، والتعلق الأبوي. المشاهد الأخيرة، حيث يقف فاروق وحيدًا يبكي والده، هي لحظة صفاء مؤلمة، تأخذ المشاهد إلى قلب التجربة الإنسانية نفسها: فقدان، لوم، محبة، واعتراف متأخر.

الموسيقى التصويرية، من الإيقاعات الغربية والمهرجانات المصرية إلى كلاسيكيات عبد الحليم وأسمهان، تعمل كجسر بين الماضي والحاضر، بين الانفجار الداخلي والحنين، بين الواقع المؤلم والخيال المتحرر، لتخلق طبقة إضافية من التعاطف والاندماج مع الشخصيات.

في جوهره، “كولونيا” فيلم عن الألم، الغيرة، الذنب، ومسؤولية الفرد تجاه أسرته ونفسه. إنه ليس مجرد سرد لحكاية مراهق تمرد على أبيه، بل تحليل فني متقن للصدمات التي نحملها، وللطرق التي نحاول بها مواجهة الماضي، قبل أن يغرقنا تمامًا. الفيلم يطرح سؤالاً بليغًا: كيف نصالح أنفسنا ومع من أحببناهم، قبل أن نفقدهم إلى الأبد؟

عن نورة الشنيتي

شاهد أيضاً

الدورة 42 من مهرجان المدينة:

نظمت جمعية مهرجان المدينة بتونس، اليوم الجمعة 13 فيفري 2026 بالنادي الثقافي الطاهر الحداد، ندوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *