احتضن مسرح الهواء الطلق بالحمامات،في سهرة الاثنين 10 اوت 2026 عرض «هوما / Testostérone» للمخرجة سيرين قنون التي اختارت أن تنقل إلى الركح المفتوح أجواء الفضاء المغلق، واضعةً الشخصيتين داخل إطار في ظاهره ضيق لكن في باطنه واسع وشاسع يسافر بينا بين طفولة الممثل عبد المنعم شويات ثم الى شبابه لنجد انفسنا بين عاءلته يتسع بالذكريات ويضيق بالوقت.
وجد الجمهور نفسه أمام رجلين في مواجهة متواصلة. أسئلة واتهامات وذكريات وصمت وانفجارات غضب تتلاحق داخل فضاء لا يقدم نفسه منذ البداية بشكل واضح. ومع تقدم أحداث العرض، تتكسر الحدود بين الماضي والحاضر وتتلاشى بين ما يحدث فعلا وما تستحضره الذاكرة.
تدور أحداث المسرحية على مدى 60 دقيقة في فضاء مغلق، حيث يجد رجل نفسه في مواجهة شخص آخر يطرح عليه أسئلة تبدو في البداية عادية، قبل أن تقوده تدريجيا إلى مناطق أكثر اضطرابا في ذاكرته. تتوالى استعادة الماضي وتتداخل صوره بالحاضر، وتتجلى تباعا علاقات وأحداث تركت آثارها في حياته.
تضع المسرحية الذكورية في مركز البحث، لكن الرجل هنا لا يظهر باعتباره صورة مكتملة للقوة وإنما باعتباره كائنا يتعب من الدور الذي طُلب منه أن يؤديه. تعود الشخصية إلى علاقاتها بأم متسلطة وأب غائب أو مستسلم وإلى زوجة وامرأة اسمها فريدة ارتبطت بحكاية حمل وهروب وذنب. تتراكم هذه الوقائع حتى يبدو الحاضر نتيجة لسلسلة طويلة من القرارات المؤجلة والمخاوف التي لم تجد طريقها إلى المواجهة. ولهذا تبدو المرأة غائبة جسديا عن الركح وحاضرة في كل مكان آخر ممثلة في الأم والزوجة وفريدة والمجتمع الذي يشكل صورة الرجل وهي كلها عناصر تحرك الصراع.
من أكثر المشاهد دلالة في العرض ذلك الذي تستحضر فيه المخرجة عالم الـ “ويسترن” و”الكوبوي”، ولعل هذه الرؤية الإخراجية تنطلق بالأساس من صورة “الكوبوي” بوصفه نموذجا للرجولة والقوة والفتوة في المخيال الجماعي. كما تظهر لوحة زيتية تحمل ملامح هذا العالم ثم تتوسع الصورة عبر الإسقاطات الضوئية والفيديو، فتبدو كأنها تخرج من إطارها وتتحول إلى فضاء حي.
ويبلغ هذا المشهد ذروته في لحظة تبلغ فيها المواجهة بين المريض والمعالج أقصى درجات التوتر، أثناء التنويم المغناطيسي حيث يوظف المريض هذا العالم المتخيل للهروب من أسئلة تنبش علاقاته وماضيه. ومع اشتداد الضغط تتحول الرغبة المكبوتة في التخلص من المعالج إلى مبارزة على طريقة أفلام “الويسترن”. ولعل المخرجة أرادت توظيف هذا المشهد للتعبير عن صورة الرجل الذي يحل مشاكله بالقوة فيما تكشف المسرحية أن الشخصية عاجزة عن حل أزماتها الداخلية بالطريقة نفسها.
وتتلاعب مسرحية “هوما” بالزمن، ذلك أن لا تسير في خط زمني مستقيم إذ تسلل الماضي إلى الحاضر وتداخل الواقع مع الوهم بينما تحول الحوار إلى مواجهة مع الذاكرة. وقد منحت السخرية السوداء هذه المواجهة إيقاعا مختلفا حيث تحولت بعض لحظات العجز والخوف إلى مواقف مثيرة للضحك مثل مقارنة الشخصية نفسها بعباقرة حققوا إنجازات في سن مبكرة أو استعادة رغبات طفولية بسيطة ظلت مؤجلة. وفي النهاية، يعيد العرض ترتيب اللعبة كلها. ويتضح أن المواجهة التي بدت وكأنها امتدت لسنوات لم تستغرق في الواقع سوى ساعة واحدة من الرابعة إلى الخامسة مساء داخل عيادة خلال جلسة تنويم مغناطيسي لمساعدة المريض على الإقلاع عن التدخين.
وجاءت المسرحية لتشتغل على نوع آخر من الذاكرة وهي ذاكرة الرجل التي تحمل آثار الأسرة والطفولة والعلاقات الأسرية والعاطفية والخيارات المؤجلة. ولذلك تترك “هوما” جمهورها أمام سؤال بسيط في ظاهره عما من الرجل عندما تسقط عنه الصورة التي اعتاد أن يقدمها للآخرين، لتأتي الإجابة على امتداد العرض إلى أن يجد الرجل نفسه وحيدا أمام القناع الذي صنعه لنفسه.
وفي الندوة الصحفية التي تلت العرض، اعتبرت سيرين قنون أن تقديم “هوما” في مهرجان الحمامات يمثل محطة مهمة في مسار العمل، خاصة أن مسرح الحمراء يقوم على فكرة تكييف العروض مع الفضاءات المختلفة. وبينت أن نقل المسرحية من القاعة المغلقة إلى ركح الحمامات المفتوح فرض تحديات تقنية وفنية تتعلق بالإضاءة والسينوغرافيا والصوت ورطوبة البحر وحرارة الطقس. وأشارت إلى أن العرض مر بمرحلة طويلة من التمارين والاستكشاف وأن فريق العمل كان حريصا على بلوغ أكبر قدر من الدقة في الأداء.
من جانبه، تحدث بحري الرحالي عن خصوصية مسرح الحمامات بالنسبة إلى الممثل، معتبرا أن المرور بهذا الركح يمثل محطة مهمة في مسيرة أي فنان مسرحي. وأشار إلى العلاقة الخاصة التي تتشكل بين الممثل والجمهور في هذا الفضاء، حيث يشعر الفنان بقرب المتفرجين وتفاعلهم المباشر معه. كما اعتبر أن ركح الحمامات يمنح الممثل إحساسا مختلفا بالطاقة المسرحية، لافتا إلى أن تجربته في العرض كانت مختلفة عن تجاربه السابقة على هذا الركح.
أما الممثل عبد المنعم شويات، فقد ركز في مداخلته على الجانب الإنساني والتقني في تجربة العرض، مشيدا خصوصا بالجهود التي تبذل خلف الركح و بالشباب العامل في مهرجان الحمامات وبالفريق التقني الذي وفر ظروفا ساعدت الفنانين على التركيز في عملهم وتقديم العرض.
واتفق الممثلان، في حديثهما عن الوقوف على ركح الحمامات، على أن الفضاء يفرض طاقة تمثيلية مختلفة بسبب طبيعته المفتوحة وحجم الجمهور وعلاقة الممثل المباشرة بالمتفرجين.
naouafedh نوافذ على كل المنافذ